السبت، 17 يوليو 2021

بكائيّة الفنجان المسكوب



كنتُ طفلة هزيلة، أعاني من فقدان الشهيّة، لذلك كانت أمّي صارمة حيال الكلمات التي تقال على المائدة، لم تكن تسمح لإخوتي بالكلام عن قطّة مدهوسة أو حمامة ميّتة تغطّيها الديدان، لأني قطعا سأقوم ولن أكمل طعامي.

كانت شراهة أختي الكبرى تثير اشمئزازي، وبالقدر نفسه تثير إعجابي، بإمكان أختي أن تستلّ شعرة بطول ١٠ سنتيمترات من سندويش الفلافل وتكمل التهامه بشهيّة كبيرة.

كلّما كبرتُ تفاقم هذا الاعتلال في شهيّتي كما يتكاثر العفن. لم تعد المناظر والروائح السيّئة وحدها ما تثير اشمئزازي، حتّى الشاب المهندم ذو الشعر الناعم الممشّط بعناية الذي جاء لخطبتي تسبّب لي بنوبة غثيان.
بقيت عائلتي في حيرة تتساءل: ما عيب هذا الشاب! لم أخبرهم بأن بشرته غريبة وكأنهم نقعوه في حوض الاستحمام طوال الليل قبل أن يأتوا به، بدا لي رماديّا باردا مثل جثّة. 

كان خطيبي يصغر أختي الكبرى بخمس عشرة سنة، وكانت تعامله كأخيها الصغير المدلّل، تطبخ له الأطعمة التي يحبّها، وتصغي إليه بحبّ مثل طفل يلثغ. بإيماءات من رأسها ويديها تحثّه على مواصلة الكلام وتشجّعه بالضحك، كانت توشك على التهامه مثل سندويش فلافل. سماجته المقرفة كانت عندها مجرّد جثث عفنة طافية، تبعدها مثلّما تهشّ ذبابة عن طعامها أو تستلّ شعرة من لقمة بفمها.

قديما شبّهوا اللئام بالجيَف التي ترتفع على سطح الماء. وشبّهوا الشرفاء بالدرر التي ترسب في القاع، لكن ليس صحيحا أن الناس صنفين: درر وجِيَف، الصحيح أن كلّ إنسان بحر، تسبح فيه الدرر والجيف مثل حساء مقزّز.
كلّ إنسان كوب قهوة، تطفو على سطحه جثث عفنة، وبإمكان أختي أن تخوض الفنجان بإصبعيها لتخرج الجثّث ثم تشرب قهوتها، بإمكانها أن تحبّ خطيبي بعينيه الجبانتين، وبشرته الرماديّة، ويديه الباردتين المبلّلتين دائما بالعرق. 

 وأنت… أطيب فنجان قهوة، برغم الرغوة الكثيفة التي تثير غثياني. أنا التي أعاني من اعتلال مزمن في الشهيّة لماذا علي أن أتجرّع تفاهاتك الدسمة (كرمال) قهوتكلماذا عليّ أن أشتبك في صراع يومي مع قسوتك ولا مبالاتك؟ قل لي بربّك لماذا أسوأ ما فيك يطفو على السطح؟ 

الجمعة، 2 أبريل 2021

التفكير بطريقة شاهنشاه

 


الجنّ لا يفرّقون بين الجدّ والهزل، هكذا تقول الحكاية.

فالزوج الذي نادى: "يا إبريق خذها!" لم يكن جادّا، كان يريد أن يخيف زوجته الجبانة التي قطعتْ نومه لأنها تخاف أن تنزل وحدها من السطح في منتصف الليل لتذهب إلى الحمّام. لكنها أبطأتْ كثيرا في الخروج، ولمّا فتح باب الحمّام لم يجدها.
أمّي لم تقبل اعتراضي حين قاطعتُها وقلتُ: لماذا ينفّذ الجنّي إبريق كلام الزوج دون تفكير؟ وتخلّصتْ من سؤالي بإجابتها المعتادة: "القصص لا تُعارض". ثمّ واصلتْ سردَ الأحداث العجيبة، ومغامرات الزوج لاستعادة زوجته من عالم الجنّ.

قبل ذلك لم أكن اعترض على مثل هذه التلفيقات، عندما سافرنا إلى إيران للمرّة الأولى قال لي أخي الذي لا يتوقّف عن إخباري بالأكاذيب والخيالات: "عندما تكونين في إيران فإيّاك أن تقولي كلمة (شاي)، لأن اسم ملكهم (شاينشاي)، وإذا قلتِ اسم ملكهم يذبحونك" ومرّر جانب يده على رقبتي كنصل سكّين. لم أسأله لماذا يذبحوني وأنا لم أشتم ملكهم؟

لكن الجنّ والإيرانيّين ليسوا الوحيدين الذين لا يعنيهم إن كنتَ قاصدا وجادّا أم لا. سحرة علوم الطاقة اليوم يقولون بأن اللاوعي لا يفرّق بين ما تريد الحصول عليه وبين ما ترفضه، فأيّا كان الشيء الذي يتردّد على لسانك وتوجّه تركيزَك إليه سينجذب إلى واقعك. وكبيرهم فاديم زيلاند يقول إن (البندولات) لا تعرف هل أنت من أنصارها أم من أعدائها، فهي ستجرفك في دوّامتها على كلّ حال إن وجدتْك تحوم حولها.  

ستقول لي إن كلّ هذا هراء، أنت تنكر أن هؤلاء ليسوا الوحيدين كذلك. عندما كتبتُ تعليقا هنا في فيسبوك بأن المرأة المتبرّجة كانت على حقّ وأن الحوزويّ أخطأ، لم أقصد بأن التبرّج حقّ وصواب، وكان بإمكانك أن تناقشني هنا على صفحتي، لكنك صدمتَني بنسخ كلامي وطرحه للنقاش في قروبنا على واتساب، هل قلتُ للنقاش؟ أقصد للمحاكمة.
أنت لست ساذجا، ولم يكن تصرّفك عفويّا، استدرجتَني إلى الفخّ وأنت تعرف بأني لن أهرب من المواجهة ولن أوارب، أردتَ أن تنازلني في أرضك وبين مشجّعيك الذين تدرك جيّدا أنهم يفكّرون بطريقة إبريق وشاينشاي، فهم لم يفهموا من الموضوع كلّه إلا كلمة حوزويّ، إذن فقد ذكرتُ آلهتهم بسوء، وطبعا لا حاجة ليتبيّنوا فأنت الثقة.

أسلمتَني إليهم ووقفتَ تتفرّج وهم يرشقوني بالحجارة، جعلتَ منّي هدفا يصوّبون إليه سهام ارتيابهم وقهرهم وخذلانهم، جعلتَ منّي تجسيدا ليزيد الذي قتل الحسين، للطغاة الذين اضطهدوا أسلافهم على مرّ التاريخ، لبناتهم اللاتي لم يحسنوا تربيتهن، لأولادهم الذين خرجوا عن تقاليدهم، سلّمتَ إليهم (الشيطان الصغير) الذي يجب أن يكسروا قرنيه ويقصّوا مخالبه قبل أن يكبر ويتوحّش.


الأحد، 14 مارس 2021

أشرُقُ بالذكرى




بحفاوةٍ أستقبِلُ الفجرَ، أفتحُ له النوافذَ وأزيحُ الستائرَ وأطفيءُ المصابيح. نورُ ما قبلَ الشروقِ بهجةٌ صِرفة، لا ينبغي أن تخالطها مؤثّراتٌ أخرى. يتردّد في خلدي بيتُ شعرٍ قرأتُه البارحة في تويتر: "أسَفي على البيتِ الذي ناديتُه من فرطِ وحشاتِ الملاجئِ منزلي". يقولون أن الميّت إذا ضغطه القبر يسيلُ حليبُ أمّه من منخريه. هذا يعني أن ما يدخلنا لا يخرج، وإنْ خيّل إلينا أننا ننسى ونتجاوز ونتعافى. تمتمتُ: "أسفي على البيت الذي..." وشرقتُ بِريقي. انبجسَ الماءُ الغائرُ في شقوقِ الذاكرة، وطما فسدّ عليّ منافذ النفَس. عدتُ طفلةً أمسكُ بيدِ أختي في عين (الخَدود)، الأطفالُ الصاخبون يقفزون في الماء، النساءُ على الضفافِ يدعكن أجسامَهن بالسدرِ والصابون. 
طفلةً في الرابعةِ شديدة التعلّقِ بأختِها الكبرى التي خطفَها ابنُ العمّ، ذهبَ بها إلى بيتِه البعيدِ لتسكنَ وحيدة. طفلةً قليلةَ الكلام، لا تعرفُ الطريقَ إلى بيتِ أختِها على بُعد حارتين، لا تبكي، لا تسألُ، لا تشكو؛ لكن الشوقَ يحيّرُ لبّها. في المنامِ رأيتُ أختي عادت إلينا، وأنا ألاحقها حيثما ذهبتْ وأطوفُ حولَها، لكنها تصدّني وتعبس، ثمّ صاحت في وجهي ودفعتْني بعيدا. أفزعني الحلمُ وذهبتُ أبحثُ عن أمّي فوجدتُها في المطبخ، إخوتي السبعة نائمون، وهي مشغولةٌ بإعدادِ العصيدةِ للإفطار، قصصتُ عليها الحلمَ باكيةً، لم تنظرْ إليّ، قالت وهي تصبُّ الماءَ المغليَّ على السكّرِ المعقود: "تفسيرُ حلمك أن أختَك مشتاقةٌ إليك"، طشّ الماءُ في القدرِ الساخنِ وارتفعتْ غيمةٌ بخارٍ كثيف، وأكملتْ: "الأحلامُ تفسّر بعكسِها".
صدقَ حلمي وجاءت أختي لزيارتنا، تعلّقتُ بها لتأخذني معها، كانت ذاهبة لتستحمّ في العين، وسمحتْ لي أمّي بمرافقتها.
أنظرُ بوجلٍ إلى الماءِ العميقِ المخضرِّ بتأثيرِ الطحالب -الطحالب الكريهة التي ستلازم كوابيسي- وأفكّرُ بالحراسين التي أخبرني أخي أنها تعضُّ الأصابعَ وتأكلُ الجروح. ألوذُ بالحافّة وأحدّقُ في السورِ الصخريّ شديدِ الانحدار يحيطُ بنا مثل مصيدةٍ محكمة. دعكتْ أختي شعري بشامبو له رائحةُ النُقْلِ المُرّة، وبحركةٍ سريعةٍ خرقاء دفعتْ رأسي براحةِ يدِها وغمرتْني في الماء، دخل الماء إلى حلقي ومنخريّ مشبعا برائحةِ الطحالب والمذاقِ المُرّ للشامبو، أخرجتُ رأسي وأنا أشرُقُ وأكحُّ وأفرُكُ جفوني المحترقة، غضبتُ من أختي التي أرادتْ أن تغرقَني، لم أعدْ أشتاقُ إليها وأنتظرُها،...  الأحلامُ تفسّر بعكسها. 

الخميس، 29 أكتوبر 2020

أربّي الكلمات






وقعتُ في حبّ كلمة، في حضورها أشعر أن الطقس يتغيّر، الضجيج المحيط بي يخفت، توقظ فيّ مشاعر عميقة، حنينا إلى شيء لا أتذكره، إذا لم يكن ذلك حبّا فما عساه يكون؟ 




أربّي الكلمات كما يربّون الحمام والقطط، كأمّ أربّيها وأحبّ أشرسها كما أحبّ ألطفها. أعرف طباعها وملمسها ورائحتها، بعضها كالأفاعي سامّة لكن فاتنة، بعضها كزغب أجنحة الملائكة، بعضها تمتصّ روحك وبعضها ترويك. 

بعض الكلمات تتعلّق بها سريعا، وبعضها تتجرّعها ثمّ تدمنها، وبعضها تتعبك لكن ترفض التخلّي عنها.




الكلمات لا تعيش في المعاجم، المعاجم ألبوم صورها.
الكلمات أزهار، تميل بأعناقها فتذكّرنا بالطفولة. فراشات ترفرف فتفرش القلوب بساط بهجتها، وتشيّع العيون حسنها.




الكلمات عصافير لها زقزقة توقظ فينا ذكرى لغة منسيّة.




الكلمات أفراس أصيلة لها سلالات وشجرة عائلة. أحجار كريمة تبطن الأسرار. كائنات لها أرواح، تنفر من القسوة والاستغلال، وتشعر بالرفق والأنس، تحبّ من يلاعبها ويدعك فراءها. 

للكلمة اسم وسحنة ونبرة، ولها خفّة أو ثقل، طريقة في المشي والتهادي والخطف، بعضها بأشواك ومخالب، وبعضها ببتلات وبراعم.



بيدك أن تجلد الكلمات فتطيعك مثل حيوانات السيرك، تعدو كخيول السباق، ستبهرك طاقتها الكامنة، لكنك ستخسر روحها، تصبح كعارضات الأزياء، كالمانيكان، جمال قياسيّ مفرّغ من الإحساس.

بعض الكلمات نخرجها للاستعمال اليوميّ مثل حروف الجرّ والعطف.. وبعضها نخفيه كوصمة عار، مثل الشتائم. وبعضها نبجّله كالقَسم، بعضها نغار عليه ولا نبديه إلا لمن نحبّ.




بعض الكلمات نصادقه ونشاكسه بالمجاز، بعضها نتجنّبه لنثبت بأننا كبرنا، بعضها نتملّقه لنلتقط الصور بجانبه، بعضها نتعلّمه لننفثه كالسحرة في وجوه أعدائنا، أو نرقي به المرضى كالأطباء، أو نتدرّع به ونحصّن أملاكنا. 

الكلمات لها قدرة على جرح قلوبنا، كيّها، عصرها، خطفها، سحقها، إغراقها، ملئها بالنعيم والبشرى.




نحن نشرب رحيق الكلمات، فتستوطننا، تشكّل تضاريس وعينا، مناخ أمزجتنا، تعلّمنا طقوسها، تفرز علاقاتنا وتعيد تنظيمها، تلقي علينا شبها منها.




تلك الكلمة التي أحبّ فيها شبه من العجم، بحثتُ في شجرة عائلتها ولم أعرف من أيّ سلالة تنحدر، تفرّستُ في مشيها، إيماءاتها، فلم أزدد فيها إلا تحيّرا. سألتُ عنها المعاجم والمصادر فأنبؤني بمعناها، لكنها كلّما تلفّتتْ تبدّل وجهها، لو كان لمملكة الكلمات حاكمة متوّجة لكانت السلطانة بلا منازع.




فسبحان من أبدع وصوّر، سبحان من نضّد أحرفها، وموسق جرسها، سبحانه!

الأربعاء، 21 أكتوبر 2020

حيث فقدتْ روحَها




نحن أجرام فلكيّة، تتحرّك حاملة مداراتها وأقمارها، أحيانا تشتبك مداراتنا فتقع بيننا حوادث التصادم، وأحيانا تتقاطع بانتظام فتعبر أقمارنا بأمان. كلّ إنسان كون معزول بمفرده. هذا ما جال بخاطري وأنا أتأمّل المعزّيات في مجلس فاتحة والد (دلال)، التي تبدو كغبار كونيّ (سديم) كما تسمّي نفسها في المنتدى الأدبيّ على الشبكة. 


كانت أوّل مرّة أراها، لكنّي رسمتُ لها صورة في مخيّلتي من وحي قصائدها: الحسناء المزهوّة محطّمة القلوب! وكانت جميلة بالفعل، لكن ليس كما تخيّلتُ، جميلة لكن كزهرة صحروايّة لا تدري أنها ليست مجرّد عشبة. وعلى تقاسيم وجهها غلالة مرخاة، ليست من حزن بل من حياد. وإذا تلفّتتْ أو أطرقتْ أو قامت تبدو كمن أضاع شيئا.


في أحاديثنا الهاتفيّة كانت تضيع كثيرا في دروب الكلام، وتكرّر: أين وصلنا؟ ماذا كنتُ أقول؟

في النهار كنّا نتحّدث هاتفيّا، وفي الليل على المسنجر، بلا مبالاة باعتراض زوجها وانتقادات أمّه.

في إحدى مكالماتنا قالت: سأعترف لكِ بشيء. أخافتني نبرة الخواء في صوتها، وبعد وجوم قالت: أنا قتلتُ قطّتي! وسكتتْ وسكتُّ، ثمّ استدركتْ: لم أفعل ذلك عمدا... كان ذلك منذ زمن طويل.

لم أسألها عن التفاصيل أو أحثّها على قول المزيد. 


هل تكذب دلال؟ هل تعاني من نسيان مرَضيّ؟ في محادثة على المسنجر كتبتْ لي: أحبّ البلابل كثيرا، لكنّي لم أربّ أيّ بلبل منذ مات بلبلي، قتلتُه خطأ.. أخبرتُك بذلك من قبل، صحيح؟ 

لم أعلّق، وأدرتُ الحديث إلى جهة أخرى.


في غرفة الانتظار بالمستشفى دخلتْ أمّ زوجها، سلّمتْ وجلستْ على المقعد بجواري، لم تعرفني ولم أعرّفها بنفسي. بدأتْ تتحدّث عن آلام المفاصل، المسكّنات، العمليّة الجراحيّة التي تتردّد في الإقدام عليها. تضجّرتْ من طول الانتظار، وكانت قلقة على قِدْر الهريس الذي تركتْه على النار. قالت: سيحترق الغداء وزوجة ابني نائمة! تصحو ظهرا وتبقى في السرير تقرأ! وفي الليل تسهر لتثرثر مع صديقتها، وتترك ابني لينام وحده.

ضحكتُ في سرّي على طرافة التناقض بين شخصيّتي كصديقة شرّيرة في قصّة الخالة، وبين صورتي في عينيها الآن كبنت طيّبة، أحبّتْها وكافأتَها للتوّ بعلكة دسّتها في يدها وأغلقتْ عليها قبضتها مثل ورقة نقديّة من فئة كبيرة. وقالت: تبدين مختلفة عن بنات هذه الأيّام. هل تستيقظين مبكّرة وتطبخين الغداء لزوجك؟ أجبتُها: أطبخ ليلا بعد أن ينام الصغير.

زفرتْ وقالت: زوجة ابني لم تحبل حتّى الآن، لله الحكمة.. من يدري، لعلّها لو كان لها طفل لنسيتْ أن ترضعه! أو ضيّعتْه كما تضيّع مفاتيحها ومحفظتها، أو ربّما تقتله خطأ كما فعلتْ بأختها الصغيرة.

في المقهى

 




هل الحقائق مثل الأماكن؛ نزورها فنرى المعالم نفسها التي رآها الآخرون؟ أم مثل المرايا تعكس لكلّ إنسان وجها مختلفا؛ هو وجهه.
لماذا الحبّ يجعل بعضنا سعيدا، وبعضنا يزيده الحبّ حزنا؟
البعض يعود من (مدينة الحبّ) ليصف شلّالات العطر ونوافير الخمر، ويخبرنا أن الناس هناك يحلّقون ولا يمشون على الأرض مثلنا نحن التعساء. فلماذا البعض الآخر إذا أحبّ تتلاشى أمنياته ولا يعود يواسيه شيء. 

المقاهي! يا لها من مكان! فاقدٍ للحميميّة رغم ازدحامه بالبشر، كئيبٍ مع امتلائه بالأزهار والتحف.

- ماذا عليّ أن أفعل لألتقي بإمام زماني؟ (قالت زكيّة بطريقة معيدي يعاتب العبّاس) جرّبتُ كلّ شيء، لكن الله لا يستجيب لي، ولا يحقّق لي هذه الأمنية.

- ماذا لو التقيتِ به ووقعتِ في حبّه، أتعرفين معنى أن تقعي في الحبّ؟ (سألتُها في خيالي). نحن الذين نقع في حبّ الناقصين والسيّئين وحتّى الأشرار، ماذا يمكن أن يفعل بقلوبنا حبّ الإنسان الكامل؟

تخيّلتُ صديقتي واقعة في حبّ معصوم، يا لها ملهاة! أوّل شيء ستفعله محاصرته وتملّكه، كما تفعل معي ومع كلّ من يوقعه حظّه العاثر في دائرة سلطتها، هي لا تتخيّل أيّ عذاب ستعيشه لو خطف قلبَها إنسانٌ تتعبّده قلوبٌ بعدد نجوم السماء. 
الشيء الثاني أنها ستحبّه بطريقة زليخا -صديقتي التي لا تريد أن تنضج- أقول لها في ضميري: لا جدوى من صلاة صائمٍ يفكر بسُفرة الإفطار، أو محصورٍ يدافع الأخبثين، وأنت يا صديقتي تريدين أن تقابلي إمامك ببطن جائع، أن تقفي بحضرته وأنت بعد لم تتطهّري من أوهامك! سامحيني، رغما عني لا أثق برزانتك، رغما عني أتخيّلك ترخين الشال لتظهر خصلات شعرك، لأنك -بسذاجة- تظنّين أنه سيراكِ هكذا أجمل.

معاناتي في الاحتفاظ بتركيزي في الأحاديث الطويلة مثل معاناة تلميذ تسرقه الخيالات في حصّة مملّة، حتّى يباغته المعلّم بسؤال يكشف جريمة شروده. زكيّة الآن تتحدّث عن حياة البذخ غير المعقولة التي تعيشها بنات عمومتها في دولة خليجيّة، كانت تصف بيوتهم، موائدهم، سيّاراتهم، العبايات، الحليّ، الحقائب... طبعا لم تكن تضع فواصل في كلامها، بل تعوّضها بجملة "أستغفر الله" مع إيماءات بالوجه تعبّر عن الأسى والاشمئزاز.

- زكيّة! يا زكيّة!! اخلعي عن عينيك دنس هذه النظرة إذا كنتِ تريدين لقاء الإمام، أنت تخيفيني يا صديقتي، يرعبني هذا الانفصام بين حركة لسانك ونظرة عينيك، اللسان ناسك يحوقل، والعينان طفلة تتشهّى قطعة شوكولاتة، قوليها أرجوك! ارحميني وأريحي نفسك، قولي: أنا أشتهي الثراء، أنا أحسدهم على أموالهم. لم تخبريني يا زكيّة؛ لماذا تريدين لقاء الإمام؟ هل ستطلبين منه الثراء؟ الشباب الدائم؟ 

قلتُ لها: عزيزتي.. تخيّلي أنك التقيتِ بالإمام فعلا (أضاء وجهها بابتسامة ذابلة) تخيّلي أنك رفعتِ إليه آمالك وبحتِ له بأمنياتك، فأجابك الإمام: كلّ ما طلبتِ موجود في الصلاة على محمّد وآل محمّد، صلّي واغرفي من النِعم".

نطقتْ بعد لحظات من التأمل: تعرفين؟ عندما يعطيك الإمام ذكرا خاصّا فكأنه يعطيك مفتاح خزينة. يعني أصلّي أنا كما أمرني الإمام وأحصل على ما طلبتُ. وتصلّين أنت ولا تحصلين على شيء، لأن هذا الذكر يخصّني أنا، وصفه الإمام لي أنا.

الأحد، 9 أغسطس 2020

كالشيء وظّله




مثلُ الشيءِ وظلّه؛ اللامبالاة التي يلاحظها الجميعُ يلازمها ظلُّ اهتمامٍ لا يلاحظه أحدٌ. 


مثلُ الزاويةِ وظلّها؛ كلّما اتّسعَ النفورُ يتّسعُ معه بالمقدار نفسِه ظلُّ الهوَس.


مثلُ الشاخصِ وظلّه؛ يتمادى الولعُ حتّى يقزّمُ موضوعَه، كما يهزأ طولُ ظلّك بقامتك ساعةَ الأصيل.


لا يخدعْكِ هدوؤه، فبوصلته تضيّع اتّجاهاتِها كلّما دنوتِ منه. عندما جلستِ بجانبه في المجلسِ المكتضِّ بالزائرين لم يلبثْ دقيقةً حتّى قامَ وانصرفَ دون أن يعيركِ التفاتةً. لكن قيامُه لم يكن اختياريّا، كان كفَوران زجاجةِ مشروبٍ غازيّ، فاقترابكِ أصاب كلَّ مؤشّراتِه بالاضطراب. 


إن ما يجري له يفوق حدود تأثيركِ، فلستِ ربَّة الرعودِ والبروقِ والمتحكّمة بالأعاصيرِ والزلازلِ، وإلا لحملتِ طقسكِ معكِ أينما ذهبتِ. فهل سوء طالعكِ هو الذي قادكِ للدخولِ في نطاقِ زلزاله؟


المسرفُ في العزوفِ عن كلِّ شيءٍ يكدّسُ في الناحيةِ الأخرى جوعا مسرفا لشيء؛ مثلُ الشجرةِ وظلِّها؛فاحذري أن يريدكِ من يزهدُ في الأشياءِ بقوّةٍ، لأنه سيريدكِ بقوّةٍ، إلى الحدِّ الذي يجعلكِ تشعرين أنهُ يكرهكِ بقوّةٍ؛ مثلُ اتّجاهِ الظلِّ في المِزْوَلةِ، محالٌ أن يمتدّ بموازاةِ الوتدِ.


هل تعصفُ بكِ الأسئلةُ؟ هل تعجزين عن تفسيرِ قدرتِه على مقاومةِ الانهيارِ نحو قاعكِ؟ هل يحيّركِ كيف يمكن لإنسانٍ يريدُ بكلّ هذا الشغفِ أن يزهدَ بكلّ هذا التطرّفِ دون أن ينشطرَ كقنبلةٍ نوويّةٍ؟


أنتِ لا تدرين أنه لا يراكِ، وأن نظرَهٌ مصوّبٌ دائما نحو ظلّك. هو أقوى من أن يستسلمَ، وأشجعُ من أن ييأسَ، لكنه أذكى من أن يفكّرَ في القبضِ على ظلّكِ، فالظلالُ لم تخلَق لتؤسرَ.