الخميس، 29 أكتوبر 2020

أربّي الكلمات






وقعتُ في حبّ كلمة، في حضورها أشعر أن الطقس يتغيّر، الضجيج المحيط بي يخفت، توقظ فيّ مشاعر عميقة، حنينا إلى شيء لا أتذكره، إذا لم يكن ذلك حبّا فما عساه يكون؟ 




أربّي الكلمات كما يربّون الحمام والقطط، كأمّ أربّيها وأحبّ أشرسها كما أحبّ ألطفها. أعرف طباعها وملمسها ورائحتها، بعضها كالأفاعي سامّة لكن فاتنة، بعضها كزغب أجنحة الملائكة، بعضها تمتصّ روحك وبعضها ترويك. 

بعض الكلمات تتعلّق بها سريعا، وبعضها تتجرّعها ثمّ تدمنها، وبعضها تتعبك لكن ترفض التخلّي عنها.




الكلمات لا تعيش في المعاجم، المعاجم ألبوم صورها.
الكلمات أزهار، تميل بأعناقها فتذكّرنا بالطفولة. فراشات ترفرف فتفرش القلوب بساط بهجتها، وتشيّع العيون حسنها.




الكلمات عصافير لها زقزقة توقظ فينا ذكرى لغة منسيّة.




الكلمات أفراس أصيلة لها سلالات وشجرة عائلة. أحجار كريمة تبطن الأسرار. كائنات لها أرواح، تنفر من القسوة والاستغلال، وتشعر بالرفق والأنس، تحبّ من يلاعبها ويدعك فراءها. 

للكلمة اسم وسحنة ونبرة، ولها خفّة أو ثقل، طريقة في المشي والتهادي والخطف، بعضها بأشواك ومخالب، وبعضها ببتلات وبراعم.



بيدك أن تجلد الكلمات فتطيعك مثل حيوانات السيرك، تعدو كخيول السباق، ستبهرك طاقتها الكامنة، لكنك ستخسر روحها، تصبح كعارضات الأزياء، كالمانيكان، جمال قياسيّ مفرّغ من الإحساس.

بعض الكلمات نخرجها للاستعمال اليوميّ مثل حروف الجرّ والعطف.. وبعضها نخفيه كوصمة عار، مثل الشتائم. وبعضها نبجّله كالقَسم، بعضها نغار عليه ولا نبديه إلا لمن نحبّ.




بعض الكلمات نصادقه ونشاكسه بالمجاز، بعضها نتجنّبه لنثبت بأننا كبرنا، بعضها نتملّقه لنلتقط الصور بجانبه، بعضها نتعلّمه لننفثه كالسحرة في وجوه أعدائنا، أو نرقي به المرضى كالأطباء، أو نتدرّع به ونحصّن أملاكنا. 

الكلمات لها قدرة على جرح قلوبنا، كيّها، عصرها، خطفها، سحقها، إغراقها، ملئها بالنعيم والبشرى.




نحن نشرب رحيق الكلمات، فتستوطننا، تشكّل تضاريس وعينا، مناخ أمزجتنا، تعلّمنا طقوسها، تفرز علاقاتنا وتعيد تنظيمها، تلقي علينا شبها منها.




تلك الكلمة التي أحبّ فيها شبه من العجم، بحثتُ في شجرة عائلتها ولم أعرف من أيّ سلالة تنحدر، تفرّستُ في مشيها، إيماءاتها، فلم أزدد فيها إلا تحيّرا. سألتُ عنها المعاجم والمصادر فأنبؤني بمعناها، لكنها كلّما تلفّتتْ تبدّل وجهها، لو كان لمملكة الكلمات حاكمة متوّجة لكانت السلطانة بلا منازع.




فسبحان من أبدع وصوّر، سبحان من نضّد أحرفها، وموسق جرسها، سبحانه!

الأربعاء، 21 أكتوبر 2020

حيث فقدتْ روحَها




نحن أجرام فلكيّة، تتحرّك حاملة مداراتها وأقمارها، أحيانا تشتبك مداراتنا فتقع بيننا حوادث التصادم، وأحيانا تتقاطع بانتظام فتعبر أقمارنا بأمان. كلّ إنسان كون معزول بمفرده. هذا ما جال بخاطري وأنا أتأمّل المعزّيات في مجلس فاتحة والد (دلال)، التي تبدو كغبار كونيّ (سديم) كما تسمّي نفسها في المنتدى الأدبيّ على الشبكة. 


كانت أوّل مرّة أراها، لكنّي رسمتُ لها صورة في مخيّلتي من وحي قصائدها: الحسناء المزهوّة محطّمة القلوب! وكانت جميلة بالفعل، لكن ليس كما تخيّلتُ، جميلة لكن كزهرة صحروايّة لا تدري أنها ليست مجرّد عشبة. وعلى تقاسيم وجهها غلالة مرخاة، ليست من حزن بل من حياد. وإذا تلفّتتْ أو أطرقتْ أو قامت تبدو كمن أضاع شيئا.


في أحاديثنا الهاتفيّة كانت تضيع كثيرا في دروب الكلام، وتكرّر: أين وصلنا؟ ماذا كنتُ أقول؟

في النهار كنّا نتحّدث هاتفيّا، وفي الليل على المسنجر، بلا مبالاة باعتراض زوجها وانتقادات أمّه.

في إحدى مكالماتنا قالت: سأعترف لكِ بشيء. أخافتني نبرة الخواء في صوتها، وبعد وجوم قالت: أنا قتلتُ قطّتي! وسكتتْ وسكتُّ، ثمّ استدركتْ: لم أفعل ذلك عمدا... كان ذلك منذ زمن طويل.

لم أسألها عن التفاصيل أو أحثّها على قول المزيد. 


هل تكذب دلال؟ هل تعاني من نسيان مرَضيّ؟ في محادثة على المسنجر كتبتْ لي: أحبّ البلابل كثيرا، لكنّي لم أربّ أيّ بلبل منذ مات بلبلي، قتلتُه خطأ.. أخبرتُك بذلك من قبل، صحيح؟ 

لم أعلّق، وأدرتُ الحديث إلى جهة أخرى.


في غرفة الانتظار بالمستشفى دخلتْ أمّ زوجها، سلّمتْ وجلستْ على المقعد بجواري، لم تعرفني ولم أعرّفها بنفسي. بدأتْ تتحدّث عن آلام المفاصل، المسكّنات، العمليّة الجراحيّة التي تتردّد في الإقدام عليها. تضجّرتْ من طول الانتظار، وكانت قلقة على قِدْر الهريس الذي تركتْه على النار. قالت: سيحترق الغداء وزوجة ابني نائمة! تصحو ظهرا وتبقى في السرير تقرأ! وفي الليل تسهر لتثرثر مع صديقتها، وتترك ابني لينام وحده.

ضحكتُ في سرّي على طرافة التناقض بين شخصيّتي كصديقة شرّيرة في قصّة الخالة، وبين صورتي في عينيها الآن كبنت طيّبة، أحبّتْها وكافأتَها للتوّ بعلكة دسّتها في يدها وأغلقتْ عليها قبضتها مثل ورقة نقديّة من فئة كبيرة. وقالت: تبدين مختلفة عن بنات هذه الأيّام. هل تستيقظين مبكّرة وتطبخين الغداء لزوجك؟ أجبتُها: أطبخ ليلا بعد أن ينام الصغير.

زفرتْ وقالت: زوجة ابني لم تحبل حتّى الآن، لله الحكمة.. من يدري، لعلّها لو كان لها طفل لنسيتْ أن ترضعه! أو ضيّعتْه كما تضيّع مفاتيحها ومحفظتها، أو ربّما تقتله خطأ كما فعلتْ بأختها الصغيرة.

في المقهى

 




هل الحقائق مثل الأماكن؛ نزورها فنرى المعالم نفسها التي رآها الآخرون؟ أم مثل المرايا تعكس لكلّ إنسان وجها مختلفا؛ هو وجهه.
لماذا الحبّ يجعل بعضنا سعيدا، وبعضنا يزيده الحبّ حزنا؟
البعض يعود من (مدينة الحبّ) ليصف شلّالات العطر ونوافير الخمر، ويخبرنا أن الناس هناك يحلّقون ولا يمشون على الأرض مثلنا نحن التعساء. فلماذا البعض الآخر إذا أحبّ تتلاشى أمنياته ولا يعود يواسيه شيء. 

المقاهي! يا لها من مكان! فاقدٍ للحميميّة رغم ازدحامه بالبشر، كئيبٍ مع امتلائه بالأزهار والتحف.

- ماذا عليّ أن أفعل لألتقي بإمام زماني؟ (قالت زكيّة بطريقة معيدي يعاتب العبّاس) جرّبتُ كلّ شيء، لكن الله لا يستجيب لي، ولا يحقّق لي هذه الأمنية.

- ماذا لو التقيتِ به ووقعتِ في حبّه، أتعرفين معنى أن تقعي في الحبّ؟ (سألتُها في خيالي). نحن الذين نقع في حبّ الناقصين والسيّئين وحتّى الأشرار، ماذا يمكن أن يفعل بقلوبنا حبّ الإنسان الكامل؟

تخيّلتُ صديقتي واقعة في حبّ معصوم، يا لها ملهاة! أوّل شيء ستفعله محاصرته وتملّكه، كما تفعل معي ومع كلّ من يوقعه حظّه العاثر في دائرة سلطتها، هي لا تتخيّل أيّ عذاب ستعيشه لو خطف قلبَها إنسانٌ تتعبّده قلوبٌ بعدد نجوم السماء. 
الشيء الثاني أنها ستحبّه بطريقة زليخا -صديقتي التي لا تريد أن تنضج- أقول لها في ضميري: لا جدوى من صلاة صائمٍ يفكر بسُفرة الإفطار، أو محصورٍ يدافع الأخبثين، وأنت يا صديقتي تريدين أن تقابلي إمامك ببطن جائع، أن تقفي بحضرته وأنت بعد لم تتطهّري من أوهامك! سامحيني، رغما عني لا أثق برزانتك، رغما عني أتخيّلك ترخين الشال لتظهر خصلات شعرك، لأنك -بسذاجة- تظنّين أنه سيراكِ هكذا أجمل.

معاناتي في الاحتفاظ بتركيزي في الأحاديث الطويلة مثل معاناة تلميذ تسرقه الخيالات في حصّة مملّة، حتّى يباغته المعلّم بسؤال يكشف جريمة شروده. زكيّة الآن تتحدّث عن حياة البذخ غير المعقولة التي تعيشها بنات عمومتها في دولة خليجيّة، كانت تصف بيوتهم، موائدهم، سيّاراتهم، العبايات، الحليّ، الحقائب... طبعا لم تكن تضع فواصل في كلامها، بل تعوّضها بجملة "أستغفر الله" مع إيماءات بالوجه تعبّر عن الأسى والاشمئزاز.

- زكيّة! يا زكيّة!! اخلعي عن عينيك دنس هذه النظرة إذا كنتِ تريدين لقاء الإمام، أنت تخيفيني يا صديقتي، يرعبني هذا الانفصام بين حركة لسانك ونظرة عينيك، اللسان ناسك يحوقل، والعينان طفلة تتشهّى قطعة شوكولاتة، قوليها أرجوك! ارحميني وأريحي نفسك، قولي: أنا أشتهي الثراء، أنا أحسدهم على أموالهم. لم تخبريني يا زكيّة؛ لماذا تريدين لقاء الإمام؟ هل ستطلبين منه الثراء؟ الشباب الدائم؟ 

قلتُ لها: عزيزتي.. تخيّلي أنك التقيتِ بالإمام فعلا (أضاء وجهها بابتسامة ذابلة) تخيّلي أنك رفعتِ إليه آمالك وبحتِ له بأمنياتك، فأجابك الإمام: كلّ ما طلبتِ موجود في الصلاة على محمّد وآل محمّد، صلّي واغرفي من النِعم".

نطقتْ بعد لحظات من التأمل: تعرفين؟ عندما يعطيك الإمام ذكرا خاصّا فكأنه يعطيك مفتاح خزينة. يعني أصلّي أنا كما أمرني الإمام وأحصل على ما طلبتُ. وتصلّين أنت ولا تحصلين على شيء، لأن هذا الذكر يخصّني أنا، وصفه الإمام لي أنا.

الأحد، 9 أغسطس 2020

كالشيء وظّله




مثلُ الشيءِ وظلّه؛ اللامبالاة التي يلاحظها الجميعُ يلازمها ظلُّ اهتمامٍ لا يلاحظه أحدٌ. 


مثلُ الزاويةِ وظلّها؛ كلّما اتّسعَ النفورُ يتّسعُ معه بالمقدار نفسِه ظلُّ الهوَس.


مثلُ الشاخصِ وظلّه؛ يتمادى الولعُ حتّى يقزّمُ موضوعَه، كما يهزأ طولُ ظلّك بقامتك ساعةَ الأصيل.


لا يخدعْكِ هدوؤه، فبوصلته تضيّع اتّجاهاتِها كلّما دنوتِ منه. عندما جلستِ بجانبه في المجلسِ المكتضِّ بالزائرين لم يلبثْ دقيقةً حتّى قامَ وانصرفَ دون أن يعيركِ التفاتةً. لكن قيامُه لم يكن اختياريّا، كان كفَوران زجاجةِ مشروبٍ غازيّ، فاقترابكِ أصاب كلَّ مؤشّراتِه بالاضطراب. 


إن ما يجري له يفوق حدود تأثيركِ، فلستِ ربَّة الرعودِ والبروقِ والمتحكّمة بالأعاصيرِ والزلازلِ، وإلا لحملتِ طقسكِ معكِ أينما ذهبتِ. فهل سوء طالعكِ هو الذي قادكِ للدخولِ في نطاقِ زلزاله؟


المسرفُ في العزوفِ عن كلِّ شيءٍ يكدّسُ في الناحيةِ الأخرى جوعا مسرفا لشيء؛ مثلُ الشجرةِ وظلِّها؛فاحذري أن يريدكِ من يزهدُ في الأشياءِ بقوّةٍ، لأنه سيريدكِ بقوّةٍ، إلى الحدِّ الذي يجعلكِ تشعرين أنهُ يكرهكِ بقوّةٍ؛ مثلُ اتّجاهِ الظلِّ في المِزْوَلةِ، محالٌ أن يمتدّ بموازاةِ الوتدِ.


هل تعصفُ بكِ الأسئلةُ؟ هل تعجزين عن تفسيرِ قدرتِه على مقاومةِ الانهيارِ نحو قاعكِ؟ هل يحيّركِ كيف يمكن لإنسانٍ يريدُ بكلّ هذا الشغفِ أن يزهدَ بكلّ هذا التطرّفِ دون أن ينشطرَ كقنبلةٍ نوويّةٍ؟


أنتِ لا تدرين أنه لا يراكِ، وأن نظرَهٌ مصوّبٌ دائما نحو ظلّك. هو أقوى من أن يستسلمَ، وأشجعُ من أن ييأسَ، لكنه أذكى من أن يفكّرَ في القبضِ على ظلّكِ، فالظلالُ لم تخلَق لتؤسرَ.

الأحد، 19 يوليو 2020

وجهه ... (قصّة)




في منامي البارحة رأيتُك بهيئة المسافر على الدوام. بحقيبة ظهرك وقبّعتك وسترتك. رأيتك خارجا بعد أن ودّعتَ الصغير. عرفتُ في حلمي أنك جئت لتفرش البيت لأجله. لكنك لم تفرشه بالسجّاد العجميّ العتيق الذي تؤثره، كان (موكيت) بلون عسليّ، ووحدة زخرفيّة إسلاميّة بسيطة. كان الصغير في حلمي يطأ عليه برجليه الحافيتين فتغوصان في الفراء الوثير، يمشي وئيدا ويدعك قدميه بالموكيت ثمّ يقوّسهما ويفرك أصابعه ببعضها ملتذّا بنعومته.

لأجله فقط تعود، لكنك لا تبقى لأجله. لا أفهم نوع العلاقة التي تربطكما، يحبّك لكنه لا يشكو غيابك، يفرح بقدومك لكن لا يتعلّق بك وأنت راحل، لا يسأل عنك ولا ينساك.

لو أنك أكملت طريقك خارجا ولم تلتفت لتراني جالسة على الأريكة، أراقب الصغير يذرع الصالة بخطاه محتفلا بالموكيت الجديد؛ لو أنك لم ترجع خطوات إلى الوراء وتجلس بقربي على الأريكة، لو أنك واصلت سيرك، لو أنني شيّعتك بلعناتي وطلبت منك ألّا تعود مجدّدا ولا ترينا وجهك الملبّد البارد الكريه. لو أنك لم تعد وتجلس على الأريكة بقربي دون أن تقول أيّة كلمة، لو أنني لم أهجم عليك وأمسك بتلابيب قميصك وأخبرك بأنك أسوأ أب يمكن أن (يحظى) به ابن. لو أنك لم تعد.. لو أنني لم أقترب منك وأتلوّث بإشعاعاتك المميتة.. لما مكثتُ في الفراش مريضة، ككلّ مرّة أراك فيها بالمنام.

الذين يكرهونك قالوا لي أنكَ بلا إنسانيّة، تستغلّ سذاجة بنت بعمر ابنتك، والذين يحبّونك قالوا عنّي غريرة، وأني أسأتُ فهم حقيقة مشاعري نحوك. لكن أحدا منهم لم يعرف حقيقتك. 

في الوقت الذي أرادوك لهم أبا أردتُ أن أكون أمّك، وبينما أرادوا منك أن ترعاهم أردتُ أن أعتني بك. أنا من لم تقنع كالآخرين بمجرّد الوصول إلى ساحل صدرك، ولكن نفذت كسهم نشب بين أضلاعك. أنا من لم تنخدع بدفء حضنك الكاذب وتستسلم للغيبوبة، أنا من دفعها الجنون لتوغل عميقا، وترى ما لم يره الآخرون. 

أنت يا معبدا عصيّا في قمّة جبل جليديّ، أنت يا نصف إله! أقنعتَ الآخرين بأنك القريب البعيد، بأنك تسعى حثيثا إليهم بكلّك، لكن قصورهم لا يبلغ ذراك! وكنتُ الوحيدة من بين مريديك من لم تنهزم أمام التحدّي، تسلّقتُ جبل الجليد، اللهب الذي يومض لي من بعيد في مدفأتك كان وقود عزيمتي وإصراري على بلوغ القمّة، وفي لحظة انتصاري؛ اللحظة التي أويتُ فيها بين أضلاعك لم أجد ثمّة قلب. 

أنت الذي تبدو عطوفا مع من يعاديك، حصيفا، مداريا. وتبادل اللطفاء بلطف أبلغ وأسبغ، وحدي لمستُ الصقيع الذي يعشّش في صدرك، أنت الذي لا تنتمي إلّا إلى نفسك، ولا تحتمل العيش برفقة أحد إلّاك. كصقر تحلّق وحيدا في الأعالي، كذئب وحيد يعوي.

هناك بين أضلاعك، وفي المكان الذي يفترض أن يكون ثمّة مضغة من لحم ودم، تنبض بالحرارة والحبّ، وجدتُ صخرة صمّاء، بها نقرة يجتمع فيها قطر السماء، هناك صفحة جدول رائق، مرآة سحريّة! كلّ من ينظر فيها يرى ما يريد أن يراه. أعداؤك نظروا فرأوا خبث طواياهم، والطيّبون لاحت لهم في صفحتك الناصعة أطياف قلوبهم البيضاء، وأنا حين نظرتُ لم أر سوى وجهك.

الاثنين، 25 نوفمبر 2019

الاختباء في الشقوق

إذا كنتِ ممّن يظنّون أن معرفة الله تطلَب في بطون المجلّدات، وأن الأتقياء هم رجال الدين، فستغيّرين رأيكِ مثلي إذا نظرتِ أبعد من أنفك.

فمنذ عرفتُ هذا الإنسان آمنتُ بأن الآلهة تعيش معنا على الأرض، تسكن في الشقوق المهملة الرطبة بعيدا عن الأضواء. 

إنه يرخي شعره مثل الفلاسفة، وملابسه التي يصفها الآخرون بالرثّة أراها مثل أردية آلهة الأولمب وملائكة الرسّامين الإيرانيّين.

تخيلي لو لم يكن مدخّنا شرها، كيف كانت ستكتمل صورة الحكيم الذي ينفث همومه على شكل دخان. 

أنتِ تريني ساذجة، لكن ماذا عن أبي الذي وثق به وسمح لي بالذهاب إلى بيته ليشرح لي مادّة الفيزياء.

ماذا عن زوجته التي تتركنا بمفردنا دائما، وتغادر البيت أحيانا لبعض شؤونها واثقة كلّ الثقة من استقامته.

أنا متأكّدة أنه ليس رجلا عاديّا، ليس مخلوقا من طين مثلنا، ربّما هو منحوت من رخام، أو مسبوك من معدن هبط من الفضاء.

انفعالاته لا تشبه انفعالاتنا، لا شيء يثير اهتمامه، وإن كان يهتمّ فهذا لا يظهر عليه البتّة. لم يضحك ولا مرّة على نكاتي التي أنتقيها له بعناية، لكنه أيضا لا يزجرني ولا يشعرني بتفاهتي، يبقى صامتا يتأمّلني وشبح ابتسامة ألمحها تختبئ خلف ستائر ملامحه الجادّة.

لكنه يبتسم أحيانا، ويضحك ضحكة قصيرة جدا إذا أجبتُ إجابة غبيّة تكشف أن تعبه معي غير مجد، وحين يبتسم ابتسامته الصافية تلك أعبُر أنا حالات المادّة الثلاث خلال ٣ ثوان.  

الجمعة عندما صادفناه مع زوجته في المول، راقبتُه كيف يسير متوحّدا مع أفكاره، وكيف يطيل النظر داخل فنجان قهوته، وينظر أحيانا في وجه زوجته، لم يكن يلتفت إلى أيّ امرأة غيرها. 

لا أعرف كيف لا ترون مثلي أنه قدّيس حقيقيّ، أنتِ وزينب ونورة هزئتم بي لأني كنتُ أراقبه طوال الوقت، ضحكتم على رداءة ذوقي، وقلتم أنه أكبر سنّا ممّا تخيّلتم، وأنه رثّ الهيئة. 

أنا متأكّدة أنه بنظرة واحدة نفذ إلى داخل ضمائركم ورأى أفكاركم المخجلة، لكنه يقابل إساءتكم بالإحسان. شعرتُ بالحرج اليوم لأنه امتدح أدبكن وتربيتكن، وقال أن بإمكاني دعوة إحداكن معي إذا كانت بحاجة إلى مساعدة في دروسها، الأغلب أنه كان يقصدكِ أنتِ، قال: "صديقتك ذات البشرة البيضاء الناعمة والقوام الممتليء لماذا لا تحضرينها معك"؟ 

الأربعاء، 1 مايو 2019

أتمرّن على الموت





تسألُني بماذا أفكّر؟

هي هي ذات الفكرةِ التي تشتعلُ بقلبي منذُ أربعِ سنين. كفتيلٍ يوقدُ سهري ويُنضج وَجدي .. وتسيرُ بي باتجاهِ صيرورةِ الرماد...

أفكّرُ كيف -يا شاهين أمِّك- أبعدتَ أخاك الصقرَ عن صيدِه الجبان، بعد أن ظفرَ به وأحكمَ فيه مخالبَه، كيف أقنعتَه بالابتعاد؛ فيسلم جسدُه ولا يبقى لك جسد؟

أحقا كنتَ طامحا لمجدِ الخلود؟
قلبي يسائلُك فأجبه: هل كنتَ تراقبُ الخلودَ أم تراقبُ أخاك الأصغر؟
هل كنتَ تراقبُ أخاك الأصغرَ أم تراقبُ قلبَ أمِّك؛ وتحرسُه من الثُكْل؟

كلَّما رأيتُ أمَّك.. وافتقادَها لكَ في كلِّ لحظة؛ أفكّر أنّكَ رحلتَ من أجلِها.

ما كنتَ لتحتمل نظرةَ الفقدِ في عينيها، ما كنتَ لتحتمل العيشَ يوما واحدا تحت وطأةِ شعورِك بالتقصيرِ في حمايةِ أخيك؟
 أردتَ أن تعيدَ إليها صغيرَها العريس ولو كان الثمنُ حياتَك.

 لكن أحدا منكما لم يعدْ إليها....

هل أسمعُك تسألني كيف حالُك؟

مازلتُ عالقةً بتلك الفكرةِ الفخّ.
أنتَ تعلمُ كيف يمكن لمحضِ فكرةٍ أن تمتصَ نَسْغَ الحياةِ من كلِّ أنحائك، أن تحيلكَ هيكلا يطوفُ وسْطَ الخرائب.

إني -يا حليفَ الحزنِ المقنّعِ- لا أخرجُ من فخٍّ إلا لأقعَ في مصيدة.

فبعد أن تدرس خرائطَ الواقعِ بدقة، وتتأكد من صيانةِ مركبتِك؛ تنطلقُ واعدا نفسَك برحلة آمنة، لكن كلّ هذا لا يفيدك..

كأن التضاريسَ في الخارجِ مخلوقٌ حيٌّ ينمو ويتشكّل، ويعيدُ زرعَ ألغامِهُ وفخاخِهُ، أنت كذلك تتشكّلُ وتمرُّ بأطوارٍ حتى تكادُ لا تعرفُ نفسَك!

ألهذا اخترتَ الخروجَ من (لعبةِ الواقعِ) إلى (الحياةِ الواقعيّة)؟

كنتَ تعلمُ بكلِّ هذا، ورأيتَه قبل أن أراه، لا تنكرْ ذلك، شحوبُك يشهدُ عليك، وجومُك، انخطافُ روحِك، الوحشةُ التي تستبدُ بك وأنت محاطٌ بجميعِ من أحبّوك... تشهدُ بأنك رأيت!
لكنك اخترتَ أن تغادر َبصمت، دون أن تتركَ وصيّةً لأحد. هل هو دربٌ يتحتّمُ على الإنسانِ أن يمشيَ فيه بلا خرائطَ، بلا دليلٍ، بلا خطواتٍ يتبعُ أثرَها؟

الآن -يا منارَ طريقي- أفهمُ أنه لا يمكنُ العبورُ من عالمِ الفناءِ إلى عالمِ البقاءِ ما لم تذبحْ قرابينَك عند (بوّابةِ المسجد) وقد رآك قلبي تذبحُ تعلّقاتِك كلِّها..

كلُّنا على هذا الطريق.. كلُّنا سنقطعُ حبائلَنا يوما .. ويتسربُ منا نسْغُ الحياةِ ويعلونا الشحوب...

لكنّك أشجعُ منّا؛ قطعتَ تعلّقاتِك بضربةٍ واحدة ..
ونحن نحُلُّ غَزْلَ تعلّقاتِنا خيطا خيطا ..


أنت حين ذبحتَ قرابينَك لم تلتفتْ إلى الوراء.. وأنا أقطف ثمارَ قلبي حبّةً حبّة .. أودعُها في سلالٍ وأقذفُها باليمّ وأبقى أشيّعُها بنظري حتى تذوبَ روحي حسرات ...

شتّان بيني وبينك .. أنتَ مضيتَ مِقداما بلا التفاتٍ ولا تردّد

وأنا .... مازلتُ أتمرّنُ على الموت




رأيتُ أكثرَ بكاء الفاقدين على ما فرّطوا وقصّروا في حقّ الراحلين. فعلام تبكين؟
المعزّيات يصيبهنّ الانهيار من تجلّدكِ، فيقعن عند رجليك باكيات، يستلهمن الصبر منك.
في عقدك الثالث قدّم رحمك استقالته، أغلق بابه وقال لك: يكفينا ثكل عريس واحد. لكنك قصدتِ سلطان طوس ومنحك لمسته الشافية لتحبلي بشهيدك الثاني.
مبكّرا خلا حجرُك من الطفولة، ومازال المهدُ وثيرا والحليبُ ثرّا.
يقولون لك: أولادك أخذتْهم منك الحياة وتفرّقوا عنك في دروبها ومازلتِ موفورة العطاء فلم لا تخرجين للعمل؟ للتطوّع، للترفيه؟ 
تجيبين: لعلّ أولادي يعودون في أيّ وقت ولا يجدوني! 
فأي تقصير يوجع ضميرك؟ أنت التي كنت تقشّرين الثمرة وتقسمينها نصفين وتخرجين بذورها قبل أن تلقميها صغيرك، الثمرة التي لم تكن كمثرى ولا خوخ، بل حبّة عنب، فأيّ تفريط تبكين؟

١١ شعبان ١٤٤٢