الجمعة، 30 نوفمبر 2018

برامج بدائيّة (قصّة)

هديّة والدِي بمناسبة عيد ميلادي السابع كانت مميّزة. وهي عبارة عن ألبوم بتجليد فاخر، وورق مقوّى صقيل بألوان برّاقة. فيه رسوم وكتابات بجانب كلّ منها ثقب، وموصول بالألبوم سلكان بقطبين كهربائيّين وبطاريّة. في الصفحة الأولى توجد صور أزهار مع أسمائها موزّعة بشكل عشوائيّ، إذا وضعتَ القطب الأوّل على الصورة والقطب الثاني على اسمها الصحيح ستصدر نغمة جميلة منتظمة، وإذا كان الاسم خطأ ستصدر نغمة ناشزة. بقيتُ مستمتعة باللعبة إلى أن اكتشفتُ بأنّ كلّ الصفحات تخضع لنفس الترتيب، سواء كانت الصفحة جدول ضرب أو أسماء زهور أو أحجار كريمة؛ دائما الثقب الأوّل على اليمين يتوافق مع الثقب الثالث قبل الأخير، وهكذا.. بمجرّد اكتشافي لذلك فقدتْ اللعبة في نظري سحرها، ولكي أثبت صحّة اكتشافي قمتُ بتمزيق جميع صفحات الألبوم وأبقيت على الثقوب المعدنيّة والأقطاب فقط. وبالفعل وجدتُ الثقوب المتوافقة والتي حفظتُ نسقها تعطي نغمة منتظمة. إذن فلم تكن لعبة ذكيّة، كانت بدائيّة للغاية، لكنّها تعتمد آليّة الإلهاء والتشتيت بالصور الجميلة والورق الملوّن اللمّاع.
تعلّمتُ من هذه اللعبة ممارسة تقشير الحياة؛ أنزع أوراقها الملوّنة البرّاقة وأجرّدها من سحرها الكاذب، لأصل إلى برامجها البدائيّة.
مثلا المتقدّم للوظيفة الذي يستعرض في سيرته الذاتيّة أتفه المهارات ويرفق معها شهادات لدورات وكورسات بلا قيمة لا أجد فرقا بينه وبين فاشينيستا تستعرض ملابسها ومساحيقها، فبعد تقشير العناوين نصل إلى برنامج واحد اسمه تسويق الذات.
أحيانا وبلا قصد منّي أقشّر عناوين لا يجب تقشيرها، وأفسد على نفسي كلّ شيء. مثلا (الملّا) الذي يستعمل كلّ طبقات صوته صاعدا نازلا في المقامات، ماخرا عباب التاريخ والأسطورة والحقيقة والكذب، متحكّما باقتدار في الجمهور المستسلم لبراعته؛ ماذا يفعل في الواقع سوى مساعدة الناس على التعبير عن غرائزهم البدائيّة، ثمّ يخرجون من عنده خفافا محلّقين!

بعد أن قشّرت الكثير من المواقف والأحداث والصور والكلمات والألقاب والعناوين توصّلتُ إلى أنّ ما يتحكّم في حياتنا بضعة برامج بدائيّة معدودة.
صحيح أنّ البرامج في جوهرها كلّها بدائية، لكن يبقى لكلّ قطاع زمنيّ برامجه المميّزة. ويبدو أنّ معضلتي أنّي ولِدتُ في زمن برامجه لا توافق برمجتي.
أحد أسوأ البرامج السائدة في زمني هي قلب الأمور رأسا على عقب، فالناس يميلون إلى تحويل النتائج إلى مقدّمات، والمسبَّبات إلى علل، مثلا زميلتاي في العمل تعتقدان أنّهما ستصلان إلى النجاح والثراء بمجرد الوثوق باستحقاقهما ذلك. ولا فائدة من محاولة إقناعهما بوجود شروط للنجاح اسمها المؤهّلات والموهبة، وأنّ عليهما أن تكونا في المكان المناسب. الناس في زمني لا يفهمون بأنّ الأوهام والخيالات لا تصنع واقعا. أنا تعلّمت ذلك من التجربة

في صباي كنتُ مأخوذة بعنوان الشهادة، أتابع على فضائيّة المنار الوثائقيّات التي تحكي عن الشهداء وأسَرهم؛ كيف كان الشهيد يعيش ويفكّر ويشعر ويتعامل مع من حوله، كان حلمي أن أكون ابنة شهيد تعيش ذكرى والدها الفدائيّ، ترعاها روحه الحيّة وتمدّها بالتوفيق والطاقة والأمل. لم ألتفت بأنّي أعيش في مجتمع أبعد ما يكون عن معاني الجهاد والشهادة، مجتمع يؤثر السلامة، وأوّل أولويّاته الرخاء ورغد العيش حتى لو دفع الثمن من كرامته وحرّيّته، وأنّ مجتمعا لم يعرف بعد كيف يتهجّى أبجديّات الحراك المطلبيّ ولم يجرّب أن يتظاهر أو يعتصم لن يقفز فجأة وبلا مقدّمات إلى مرحلة الاستشهاد.  

عندما أتذكّر كم كنتُ أسيرة أوهامي وخيالاتي أعذر زميلتي نهى قليلا، وأغفر لها استغراقها في أحلامها البلهاء. كلّ يوم بعد انتهاء العمل أتماسك وأُحكم رباط جأشي استعدادا لسماع سرديّاتها المخبولة عن نصف الزبائن الذين فقدوا اتّزانهم أمام جمال عينيها، وعن محاولات بعضهم الحصول على معلوماتها الشخصيّة ليتقدّموا لخطبتها. بالنسبة لي تبدو عيون نهى كعيون طفل رضيع، تشعّ بدهشة خام، ليست دهشة ذكاء أو اكتشاف، وإنّما دهشة كائن لا يفهم أيّ شيء. حتّى ابتسامتها الرقيقة وملامحها الجميلة لا تقول لي سوى شيئا واحدا: أنا لا أفهم شيئا. هل يعقل أنّ الرجال يرون في ملامحها شيئا مختلفا؟ 
لكنّي على أيّة حال ألتمس لها العذر  على خيالاتها لأنّها أصغرنا سنّا وأكثرنا رومانسيّة وأقلّنا ذكاء.
لكن كيف أصبر على خيالات كلثم وأوهامها؟ 

لم أكتشف فداحة توهّمها إلّا حين سمعتها تحكي لنهى عن الزفاف الذي حضرتُه معها في ليلة سابقة. صعقتُ من التباين الحادّ بين ما ترويه وبين ما حدث فعلا. كانت ليلة عاديّة جدّا ومملّة، ليس صحيحا أنّ الناس استقبلونا بحفاوة وتسابقوا للسلام علينا وأنّنا كنّا نجوم الحفل! لم يحدث مطلقا أنّهم تنازعوا على إجلاسنا بجوارهم، ما حصل هو أنّنا وصلنا متأخرين، ولم نجد طاولة فارغة، ووجدنا مكانا على أريكة جانبيّة يبدو أنّه فرغ للتوّ، وحين أقبلنا من بعيد كانت هناك امرأتان جالستان فأفسحتْ كلّ واحدة منهما مكانا بجانبها ودعتنا للجلوس، وأصرّتا قليلا من باب المجاملة. لكنّي أبدا لا أجادل كلثم، أكتفي بالدهشة من طريقة عمل دماغها، وأصبر على التوابل الحارقة التي ترشّها على قلبي كلّما تكلّمتْ. فما جدوى مجادلتها إذا كانت واثقة كلّ الثقة من أوهامها، ثمّ هل يبقى الوهم وهما إذا كان صاحبه يعيشه كحقيقة مطلقة؟ 

نهى لم تحضر اليوم إلى العمل، طلبت إجازة.
قبل أسبوعين جاء شاب ليستبدل بلوزة كان قد اشتراها لخطيبته، ولأنّه أضاع الفاتورة اعتذرتُ عن خدمته. كان ضحوكا ويفيض حيويّة، ترجّاني بلطف وقال إنّ طائرته ستقلع ولا وقت لديه. نهى ذات القلب الرقيق أحضرتْ له بلوزة أخرى بالمقاس المطلوب، وبينما الشاب المتعجّل يتناولها بحماس اشتبكت علّاقة الملابس بسوار نهى فانقطع، تفاجأ الشاب عندما رآها تبكي، طبعا أنا وكلثم لم نكن لنتفاجأ، فالبكاء هو طريقة نهى لتقول أنا متأثّرة
ما رأيتُه بعينيّ هو أنّ الشاب كان خجِلا وعرض أن يدفع قيمة إصلاح السوار، لكنّ نهى ابتسمت وسط دموعها وقالت لا داع. اعتذر منها الشاب مجدّدا وذهب سريعا حتّى لا يفوّت رحلته
لكنّ نهى عندما روت القصّة لكلثم قالت بأنّ الشاب وعدها أن يعوّضها بسوار جديد! لا أدري هل تتعمّد الكذب أم أنّها تتخيّل أشياء لم تحصل. كلّ ما حدث جرى أمام عينيّ ولم أسمعه يقول بأنّه سيعوّضها عن السوار.
نهى في إجازة لأنّ ذلك الشاب أجّل سفره وانفصل عن خطيبته وسيزورهم هو ووالدته اليوم.

يبدو أنّ البشر في زمني متوافقون مع برامجهم وأنّني أنا الوحيدة التي تشكو من سوء البرمجة.


كلثم مشغولة عن الزبائن برسائل الواتساب المحمومة الفارغة التي لا تتوقّف، نظرتْ في عينيّ صامتة ثم أجهشتْ بالبكاء واحتضنتني: (مسجد حيّكم فجّره الإرهابيّون .. والدك استشهد).

الاثنين، 19 نوفمبر 2018

الفضائل كلها تشير إلى العباس

لأنّه حين زارني للمرّة الأولى قدّم لي نفسه بأنّه المثاليّ الكامل، هذا ما أفشل الفخاخ الاعتياديّة في اصطيادي. المحاولات الذكوريّة الساذجة للفت انتباه الإناث ما كانت تعمل معي، دائما تعلّق نظري بالكاملين الناضجين، أو من نجحوا في أن يبدوا كذلك.

خلافا للمعتاد لا أملك معيارا شخصيّا لتقدير الآخرين، لذلك أعرف أنّي أبدو جاحدة وعديمة الوفاء، لا تتعب نفسك في إسداء المعروف لي، اجعلني أقدّرك تملكني.

قبوله أخذ كوب الشاي الذي سكبته أخته لنفسها بلا سخاء حقيقيّ منها في تقديمه له، الاستدانة من زبائنه ومماطلتهم، استمتاعه بقضاء الأوقات بعيدا عن عائلته، ويسألني ماذا فعلت بك لأستحقّ رفضك!؟

أما الناقصون وعديمو المروءة فلم أحبّهم، وأما الكاملون فآذوني، عبادة الأصنام كانت خطيئتي والخذلان كان نصيبي.

الخيبات تمارين، طريقة الغيب في حذف الإجابات الخاطئة، وتقريبك من الجواب الصحيح.

وكما تخيّرت التفاحة إسحاقها، وقع إلهامه بقلبي، منحني الإجابة وغاب في خلوده. مذ ذاك وأنا أترقّب مواسمه، أقصّ أثره، أجمع ما يتناثر منه، وأشكّل لوحتي الأخيرة. طهّرني من رجس الإجابات الخاطئة وألهمني أجوبته.

 سألني عن معنى الحياء؟ قلت إنّه حالة انكسار تتبع تصرّفنا بحماقة.

صحح لي وقال إنّ الحياء هو أن تتوقّع منك (المرأة) شيئا وتخذلها.

وعمّا هو أقسى من الموت أجاب: أن تفقد (المرأة) بموتك عزّها.

صارت صفاته عندي هي المعيار، وصار جمعها شغفي. بعد أن أكملت لوحتي وجدت أنّ الفضائل كلّها تشير إلى العباس.

قلت للمرأة: لكنّك أكبر منه!

قالت: لا تحتاج المرأة رجلا أكبر منها، تحتاج رجلا يتّسع لها، يتّسع لخوفها لقلقها وتعبها.

قلت: حتى الدواب تحمل الأثقال.

قالت: لكن المرأة لا تسند رأسها على كتف دابة.

طرت بمعياري الجديد وطفت أقيس به رجولاتهم فتهاوت. لهذا يوم فتح مكّة هو يوم النصر الأكبر، لا مجد يضاهي يوما تتحطّم فيه الأصنام.

أنا آتيك

أحتاج للحديث معك، لتسمعني وتخبرني أنني بخير، لكنك لا تسأل عني ولا تتفقد أحوالي، ربّما ليس سهلا عليك أن تسأل امرأة أجنبية عن أحوالها، حتى لو كنت تعرف كم هي قلقة وبحاجة للاستقرار، حتى وأنت واثق أنها غير خطرة ولا مغوية، وأنها تحتاجك كمرشد روحي يخبرها عن مدى الأضرار التي ألحقتها بنفسها، لأنها بلا أم توبخها لفقدان وزنها، وتذكرها أنه لا ينبغي للمرأة أن تعطل نفسها ولو أن تعلق في عنقها قلادة.
 أود أوّلا أن أخبرك أنه لو كان لك أخت، ورأيتها لا تعتب عليك ولا تطلب عونك فلا تدع ذلك يشعرك بالاطمئنان أنها بخير وفي غنى عنك، إنه يعني أنها يائسة منك، وأنك غير موجود بنظرها.

  قبل أيام وجه لي أخي كلاما قاسيا جدا، رفع صوته بوجهي وقال: (أنت ضعيفة الإيمان، لو كنت تؤمنين بالله لمكثت في بيتك وجاءك رزقك ورزق أولادك من حيث لا تحتسبين).

تجاهلت ألمي واحتملته، قلت له: (أعرف أن رزقي يأتيني وأنا في بيتي، لكني لا أريده أن يأتيني إحسانا من أحد).

قال إن الدنيا غابة والرجال وحوش وأنني ألقي بنفسي في الخطر وأن صيانة ستري أوجب علي.

أقرأ هذه الأيام قصة (عزازيل) لعلك قرأتها، أنت متابع جيد لكل جديد.

أقرأها في طريق ذهابي وعودتي للعمل، وأجفف دموعي باستمرار لئلا يتشبع نقابي بالملح فيحرق جفوني، قالت لي صديقة: ما زلت في الصفحات الأولى! ماذا ستفعلين إذن في النهاية؟ إنها تعدني بمزيد من الحزن، وهيبا الراهب يعدني بالكثير ليبوح به عن عذاباته وحيرته، عن أستاذه الأسقف نسطور عن شيطانه وعن مرتا الجميلة.

في الطريق يرفع السائق صوت المسجلة بأغان لا تنم عن ذوق، ويقاطع قراءتي بكلمات قليلة لا معنى لها، وعندما يوجه لي الكلام يلتفت بجسمه كله ناحيتي.

أفهم بماذا يحدث نفسه، لكنه لا يعرف بماذا أحدث نفسي؟

في العمل لدي موظف جديد أدربه، تنقصه اللياقة واللباقة والتحكم في تصرفاته العفوية البدائية، لدي مدير بدويّ فظ، وزملاء بين مسلم ومسيحي.

يبدو وضعي خطرا بالنسبة لأخي، ربّما بالنسبة لك أنت أيضا، لهذا أشعر بالحاجة للحديث معك، لتسمعني وتقتنع أو ترفض.. إذا أقنعتك سأشعر بالاطمئنان، لأن كفتي سترجح بك كثيرا، وإذا رفضت فلن أطيعك كما لم أطع أخي، لأني أعتقد بأني الأعرف بمصلحتي.

 

أريد أن أخبرك بأني رغم هذا العناء أشعر برضا عميق، العمل في وسط مختلط لا يؤدي للرذيلة، هذا ما اختبرته، عندما اقتربت من الرجل أكثر فهمته أكثر، وجدته إنسانا يشبهني جدا وهذا أسقط نصف سحره، ثم رأيته على سجيته فسقط النصف الثاني من السحر.

رأيت رئيسي كيف يتزلف للكبار، كيف يبدو أمامهم بلا حول ولا قوة، تماما كما تبدو زوجته أمامه!

يدعي الرجل الشجاعة، لكني رأيت الجبن عينه حين يحاول زميلي التملص من أخطائه بإلقائها علي!

اكتشفت إن التصرف بذوق وأتيكيت مهمّة شاقة على الرجال، عندما تعمل معهم بنفس المكان تكتشف كم هم بدائيّين بشكل منفّر.

أود أن أخبرك أنني بخير، وأن العمل في وسط مختلط لم يضر بي، ودعني أنسب الفضل لصاحب الفضل، ربي الذي حفظ موسى الرضيع ملقى في لجة لا يدفع عن نفسه ضررا.

ولأكون صادقة معك أنا لم أسلم من الضرر، لكن ليس الضرر المزعوم.

أكثر ما أضرني هو أنني عرفت أن بإمكان المرأة أن تعمل، أن تعتمد على نفسها، أن لا تحتاج إلى رجل لكنها حين تحقق هذا الإنجاز العظيم تكون قد خسرت ما يجعلها امرأة بسيطة محتاجة إلى رجل، هذه الحاجة إذا خسرتها لا تعود هي.
 

متاهة

كنتَ صارماً معي حين ألقيتَ بي في هذا العالم المتناقض، وأنتَ تعلم بأنّي أضعف من احتمال كلّ هذا التناقض. هل يُفترض بي أن أتسلّى وأنا ألهث في دروب المتاهة، السدود تتقاذفني وكلّ مجهول يسلمني إلى مجهول؟

ليتني أعرف كيف تشعر وأنت تتصفّح ذهولي أمام مفاجآتك، حين يتفتّح برعم أصيصي الذي أسقيه يوميّا عن شوك وعلقم؛ وبستان جاري الذي يسقيه المطر يغصّ بيانعات الثمر؟

عجزتُ واستسلمتُ، آمنتُ بعبقريتك فأخبرني أنت الجواب:

لماذا المتسوّل الذي آويتُه وآثرته بعشائي، يسرق محفظتي ويتسلّل ليلا تاركا على منضدتي رسالة تشتمني؟ ولماذا ذات المتسوّل يقدّم مالي واحترامه لزوج أمّه الذي يركله ليصحو ويصفعه لينام؟

أخبرني ما سرّ الإنسان؟ ومن أي عنصر عفن هو مجبول؟

ارحم حيرتي وعلّمني: لماذا من قالوا نفسي نفسي نجو من الطوفان؛ ومن أذهله عن إنقاذ نفسه إنقاذ الغرقى ابتلعته الأمواج؟

ولماذا المجد للناجين؛ اللذين عادوا يلقون فتات أطواق النجاة؛ والبؤساء يسبّحون بحمدهم ويسجدون؟

لماذا منحتني لحافا قصيرا؛ إن غطّيتُ قدمي طفلي قصف البرد صدره؛ وإن دفّأتُ صدره تثلّجتْ قدماه؟

ليتكَ حين منحتني طفلا ولحافا قصيرا؛ كنتَ أخبرتني أين يجدر بي أن أغطّي وأين أترك؟ لماذا تتركني للحيرة؟

وحين كتبتَ عليّ التعاسة؛ لماذا خلقتني جميلة وذكيّة وطيبة؟ لماذا حرمتني من جواب أعلّق عليه فشلي وتعاستي؟  

الأزواج الطيّبون كثيرون، الآباء المهتمّون كثيرون، الأقارب الرحماء، الجيران اللطفاء... لماذا أحطتني بهؤلاء؟

برعم يكتنز الجمال والحكمة كنتُ، أراد أن يتفتّح للحياة فلطمه الصقيع.

أحببتكَ يا سيّدي وأحببتُ دينكَ، كنتُ مطيعة لك، راضية، مؤمنة.. لكنّني الآن أشعر بالخذلان. انقطع بي الطريق، نفد منّي الماء والوقود، لا أنتمي للأرض، ولا أهتدي للسماء.

لو كان التديّن وظيفة؛ أليس من تعويضات، ضمانات، راتب تقاعد؟! لماذا تتركني للشكّ؟

يخطر لي الآن أن أتملّقك، وأسرد قائمة طويلة بنعمك وأفضالك عليّ، أنا لا أنكر فضلك، يكفيني أنني أعاني وأشكّ ولم أكن حجرا لا يعي.

يكفيني وميض الأمل في قلبي أنّك موجود وأن الخير والعدل صفاتك..

فقط أخبرني؛ خذني لمصنع أسراركَ/ طاولة صنع القرارات في سمائكَ/ لوحكَ المحفوظ، وأرني أيّ القوانين تحكم هذا العالم؟

أرني نهايات الأشياء وغاياتها، صبري قليل، وعمري قصير، ونفَسي يضيق عن مجاراة عبقريّتك في صنع الأحاجي..

أخبرني أنتَ الجواب.. عجزتُ عن حلّها يا ربّ!

هشاشة

(أنا لا أفهمكِ، أشعر أنّكِ طيّبة جدّا، لكن أحياناً ...) قال لي رئيسي ولم يكمل عبارته.
يتكرّر معي كثيراً أن يعتقد الناس بأنّي طيّبة بشكل مطلق، ولا أدري ما الذي يجعلهم يعتقدون ذلك. عندما يعجز الناس عن فهمك، ومع ذلك يطلقون عليك أحكامهم، لماذا عندئذ يحمّلونك مسؤوليّة صدمهم؟ بعض الأمور يصعب حسمها، ربّما لأنّها نسبيّة، وربّما لأنّها ملتبسة.
ابنة الخمس سنوات التي وضع الطبيب قرص سمّاعته البارد على صدرها ورأى في عينيها ما جعله يغمض نصف إغماضة ليوهمها بأنّه لا ينظر إلى صدرها المسطّح، والذي قال لأمّها لاحقا: لا تدعوا أحدا يؤذي هذه الطفلة!
الطفلة التي كانت تمرض لأنّ أختها الكبرى نظرتْ إليها نظرة مرعبة أخافتها، تمرض لأنّ أخاها الأكبر أختار غرفة نومها على ذوقه، والتي أصيبتْ بالحمّى ودخلتْ في غيبوبة بعد أن جمعتْ حبات من النبق في ذيل فستانها الأحمر، وقضمتها على مرأى من نسوة حزينات وناقمات.
ما زالت بعد هذه السنين هي ذاتها المرأة التي تمرض لأنّ ولدا ضخما أبرح طفلها الهزيل المسكين ضربا، تمرض لأنّ الجيران مزقوا ملاحظة وألقوا بها عند بابها والحقيقة أنّ جارا آخر هو من ألصق تلك الملاحظة ببابهم، هي من تسعل باستمرار بحجّة أنّ الحياة غير عادلة.
امرأة بهذه الهشاشة تدفع رئيسها في العمل ليصرخ بشكل يائس: أنت ديكتاتورة!! تدفع مدرّبها على العزف لإنهاء دورته وترك "مريديه" ليقول لها قبل سفره: أنتِ قلعة!
قلعة.. وديكتاتورة... ومازالت تسعل باستمرار لأنّ خطيبها لم يجد غير صديقتها ليتزوّجها.